كريم نجيب الأغر

103

إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام

وهي : أن الإنسان انبثق من الشامختين التناسليتين اللتين تقعان قرب الصلب والترائب ، وليس من نفس الصلب والترائب ، كما أشار إليه النص القرآني الكريم : فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ ( 5 ) خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ ( 6 ) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ ( 7 ) [ الطارق : 5 - 7 ] . وفي الحقيقة ليس هناك تعارض لعدّة أسباب ، أهمها : هو أن آية سورة النساء ، والحديث رقم 109 ، والحديث رقم 110 جاءوا على ذكر الأصلاب من باب المجاز المرسل للدلالة على أن الإنسان انحدر من مكان يجاور الصلب ، وذلك لكثرة تداول وشيوع هذه الكلمة عند العرب . فالعرب تستعمل هذا النوع من المجاز ، وقد جاء ذكره في كتب اللغة العربية ، قال الكردي في « نظرات في البيان » « 1 » : « إذا كان الشيء مجاورا لآخر في مكانه يكون بينهما اتصال ، يعدّ في العرف مجاورة . من ذلك قولك : شربت من الراوية . الراوية : ما يستقي عليه من بعير وغيره ، والمزادة : سقاء الماء الذي يوضع عليها . والراوية مستعملة في المزادة ، والعلاقة مجاورة المزادة للراوية ، والقرينة كلمة : شربت » . وعند الأصوليين إذا وقع تعارض ظاهر بين نصّين شرعيين ، فعلينا التأليف بينهما قبل أن نحكم عليهما بالتعارض ، وهو الحال هنا . فهناك الكثير من الأحاديث تتكلّم عن أمور لها صلة بظواهر كونية لم تكن تعرف لدى العرب وقت التنزيل ، والتكلم عن هذه الأمور جاء لتبيين مواضيع شتّى كالتشريع . . . أو إظهار حكمة ما ، ولم يسق أساسا لتبيين الإعجاز العلمي في القرآن والسنة ، والاستطراد في الكلام لتبيين الأمور العلمية الغيبية التي تتفرّع من المواضيع الأساسية يجعل فهم المواضيع الأساسية معقّدا على السامعين . لذلك فالاختصار في الكلام في هذا الموضع واستعمال المجاز فيه ، المألوف للمجتمع العربي آنذاك ، يسهّل استيعاب الكلام ، وفي الوقت نفسه يفتح المجال لاكتشاف الحقيقة العلمية في المستقبل ، وهذا الأسلوب يدلّ على دقّة عالية ، وحكمة متناهية ، في التعبير عن المعاني التي يصل إليها الكل بطرق مختلفة ، حيث إن استعمال المجاز هنا لا يعارض معتقدات هذه الشعوب ( لأنه بالظاهر يوافق معتقداتهم بأن الإنسان ينسل من الصلب ) ، ولا الحقيقة العلمية ( لأنه يستخدم المجاز الذي يتيح فهم أن انسلال

--> ( 1 ) « نظرات في البيان » ، للدكتور محمد الكردي ، باب المجاز المرسل ، ص 238 - وانظر « عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح » ، لأحمد السبكي ، ( ج 1 / ص 100 ) - و « المطول في شرح تلخيص العلوم » ، للتفتازاني ، ص 576 - و « الأطول شرح تلخيص مفتاح العلوم » ، لإبراهيم محمد بن عربشاه العصام الحنفي ، ( ج 1 / ص 85 ) .